ابن رشد

59

تهافت التهافت

ومعنى قولنا : كان ولا عالم ، وجود ذات الباري سبحانه وعدم ذات العالم فقط . ومفهوم قولنا : كان ومعه عالم وجود الذاتين فقط . فنعني بالتقدم انفراده بالوجود فقط ، والعالم كشخص واحد . ولو قلنا : كان اللّه سبحانه وتعالى ولا عيسى ثم كان وعيسى معه لم يتضمن اللفظ إلا وجود ذات وعدم ذات ثم وجود ذاتين . وليس من ضرورة ذلك تقدير شيء ثالث ، وإن كان الوهم لا يسكن عن تقدير ثالث فلا التفات إلى أغاليط الأوهام . قلت : هذا قول مغالطي خبيث . فإنه قد قام البرهان أن هاهنا نوعين من الوجود ، أحدهما : في طبيعته الحركة ( العالم ) وهذا لا ينفك عن الزمان . والآخر : ليس في طبيعته الحركة ( اللّه ) وهذا أزلي وليس يتصف بالزمان . أما الذي في طبيعته ، فموجود معلوم بالحس والعقل . وأما الذي ليس في طبيعته الحركة ولا التغير فقد قام البرهان على وجوده عند كل من يعترف بأن كل متحرك له محرك ، وكل مفعول له فاعل ، وأن الأسباب المحركة بعضها بعضا ، لا تمر إلى غير نهاية ، بل تنتهي إلى سبب أول غير متحرك أصلا . - وقد قام البرهان أيضا على أن الذي ليس في طبيعته الحركة هو العلة في الموجود الذي في طبيعته الحركة . - وقام أيضا البرهان على أن الموجود الذي في طبيعته الحركة ليس ينفك عن الزمان . - وأن الموجود الذي ليس في طبيعته الحركة ، ليس يلحقه الزمان أصلا . وإذا كان ذلك كذلك ، فتقدم أحد الموجودين على الآخر ، أعني الذي ليس يلحقه الزمان ، ليس تقدما زمانيا ، ولا تقدم العلة على المعلول اللذين هما من طبيعة الموجود المتحرك ، مثل تقدم الشخص على ظله . ولذلك كل من شبه تقدم الموجود الغير متحرك على المتحرك بتقدم الموجودين المتحركين أحدهما على الثاني ، فقد أخطأ . وذلك أن كل موجودين من هذا الجنس ، هو الذي إذا اعتبر أحدهما بالثاني ، صدق عليه أنه : إما أن يكون معا ، وإما متقدما عليه بالزمان . أو متأخرا عنه . والذي سلك هذا المسلك من الفلاسفة هم المتأخرون من أهل الإسلام ، لقلة تحصيلهم لمذهب القدماء . فإذن تقدم أحد الموجودين على الآخر هو تقدم الوجود الذي هو ليس بمتغير ، ولا في زمان ، على الوجود المتغير الذي في الزمان ، وهو نوع آخر من التقدم . وإذا كان ذلك كذلك ، فلا يصدق على الوجودين لا أنهما معا ، ولا أن أحدهما متقدم على الآخر .